أخبار

قراءة في مواقف الأطراف المختلفة تجاه أزمة الحكم في اليمن

الإثنين, 02 فبراير, 2015



مرصد البرلمان ـ أنور التاج:
 
يكتنف المشهد السياسي اليمني قدر كبير من الارتباك والشعور بالسقوط في مأزق اختيار الحل الأنسب لإنهاء حالة الفراغ الذي سببته استقالة الرئيس هادي وحكومة الكفاءات في 22 يونيو الماضي في ظل التباينات الكبيرة بين القوى السياسية التي تخوض جولات يومية من المفاوضات التي لا تلبث ان تبدأ حتى تنتهي بجملة دأبت وسائل الإعلام اليمنية على استخدامها عقب فشل كل جولة حوار مفادها عدم التوصل الى أي اتفاق.
 
وتتأرجح مواقف الأطراف السياسية وخياراتهم لحسم أزمة استقالة الرئيس وملء الفراغ السياسي القائم في البلاد منذ 12 يوماً  بين مجلس رئاسي يتشكل بالتوافق من المكونات التي تقف على طاولة الحوار،  بعيدا عن المؤسسة الشرعية الوحيدة في البلاد ( البرلمان)، وبين خيار المجلس الرئاسي ولكن عبر الأطر الدستورية ومؤسسة البرلمان بوصفه السلطة الممثلة للشعب والمعبرة عن إرادته. وبعيدا عن هذا وذاك يقف طرف ثالث يتسم بالرفض القاطع لكافة الإجراءات التالية لاستقالة الرئيس هادي.
 
وبرؤية مراقبين للشأن اليمني يجد الطرف الأقوى المتمثل بجماعة أنصار الله الحوثيين، التي تسيطر على عاصمة الدولة ومؤسساتها وتفرض حصارا على منزل الرئيس المستقيل، نفسه أمام مأزق عدم القدرة على حسم الموقف في الاتجاه الذي يريد وتحمل مسؤولية أدارة شؤون الدولة والخروج بالبلاد من أزمتها الراهنة لا سيما في ظل وجود حالة من الرفض الشعبي المتجسد بالمسيرات اليومية التي تشهدها صنعاء وعدد من المحافظات الرافضة والمنددة بـ" الانقلاب الحوثي" على " الشرعية" والمطالبة بخروج مسلحي الحوثي من العاصمة والمدن، غير أن المستجدات الأخيرة على الأرض وما تمخض عنه الاجتماع الموسع الذي شهدته صنعاء خلال الثلاثة أيام الماضية ، بدعوة من عبدالملك الحوثي، من امهال للأطراف المتحاورة مدة ثلاثة أيام للخروج بحل يسد الفراغ القائم يؤكد أن الحوثي عازم على المضي نحو تنفيذ مخططه باتخاذ الإجراءات الكفيلة بترتيب أوضاع سلطات الدولة وفقا لرؤيته.
 
وفي حين يتجه الحوثيون نحو تشكيل المجلس الرئاسي بقرار مما اسموه "القيادة الثورية" ترددت مواقف الأحزاب والجماعات السياسية الأخرى بين التزام الرفض التام وبين المشاركة في مفاوضات موفنبيك التي يديرها المفوض الأممي بنعمر وبين الانخراط في تحالفات براجماتية مع الحوثيين.
 
وعلى ذلك يمكن تفصيل الاتجاهات الثلاثة على النحو التالي:

الاتجاه الأول: اتجاه الممانعة التامة لكل اجراءات ما بعد 21 يناير
ويتصدر هذا الاتجاه الفصائل الجنوبية الحراكية ومعها تلك القريبة من الرئيس هادي بما فيها الكتلة البرلمانية الجنوبية وإلى جانبها يقف حزب الرشاد السلفي الذي أعلن رفضه المشاركة في جلسات الحوار مع الحوثي الرامي الى الخروج من أزمة الاستقالة.  وبالنظر الى موقف حزب التنظيم الوحدوي الناصري وخصوصا بعد إعلان انسحابه وبشكل نهائي من المفاوضات عقب صدور البيان الختامي للمؤتمر الوطني لجماعة الحوثي الذي أمهل الأطراف المتحاورة ثلاثة ايام للخروج بحل للأزمة الحالية، يمكن وضع الحزب في هذا الاتجاه الذي يتناغم الى حد كبير مع صوت حركة الاحتجاجات الشبابية والطلابية المناهضة للحوثي.

وفي ذات الاتجاه  أعلن مكون الحراك الجنوبي في 29 يناير انسحابه من الحوار "وذلك من أجل الحفاظ على المصالح الوطنية لأن استمرار في هذا الحوار العبثي سيقود البلاد إلى المجهول والذي يجري تحت التهديد والحصار لقيادات الدولة الشرعية والسياسية والذي جعل كل اليمنين مرهونين بقوة التسلط والهيمنة"
 
وتقدم الحراك، في بيانه الصادر عقب الانسحاب، بجملة من المطالب في مقدمتها إزالة أسباب استقالتي الرئيس هادي وحكومة الكفاءات، وإنهاء كل أشكال التوتر والعودة إلى أوضاع ما قبل 21 سبتمبر، بالإضافة إلى نقل إدارة الدولة إلى مدينة تعز.
ذات المطالب كانت قد طرحتها الكتلة البرلمانية الجنوبية بعد اجتماعها في مدينة عدن الاسبوع الفائت كشرط لإنهاء مقاطعتها للبرلمان والمشاركة في أي جلسة يتقرر انعقادها لمناقشة أزمة استقالة الرئيس هادي.
وذهبت الكتلة الى ما هو أبعد من ذلك عندما طالبت مجلس الأمن وجامعة الدول العربية و دول مجلس التعاون الخليجي بـ"احترام إرادة الشعب الجنوبي في تقرير مصيره عبر استفتاء حر ونزيه وشفاف".
 
وفي وقت مبكر أعلن حزب الرشاد السلفي رفضه دعوة المبعوث الأممي جمال بنعمر للمشاركة في المفاوضات مع الحوثي، وبرر رئيس الحزب محمد بن موسى العامري في تصريح نشرته وسائل الإعلام رفض حزبه الحوار مع الحوثي بالقول " لن نحضر حتى نرى احترامآ للعهود ووفاء بالعقود السابقة في اتفاقية السلم والشراكة التي أراد قتلها من احتكر تأويلها وتنصل من أهم مضامينها".
 
الاتجاه الثاني: اتجاه القوى المتمسكة بالحل عبر المؤسسات الدستورية
ويأتي في طليعة هذا الاتجاه ويدفع ناحيته ويؤكد تمسكه به يوما بعد يوم حزب المؤتمر الشعبي العام ( حزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح) بما يتمتع به من أغلبية برلمانية مريحة تتجاوز نصف أعضاء المجلس. وهو ما يجعله على النقيض من حليفه الحوثي الذي يرفض الحل عن طريق البرلمان.

ومنذ انطلاق سجالات الحوار في موفنبيك  وحتى اليوم ما يزال المؤتمر مصر على موقفه التمسمك بما يسميه " الشرعية الدستورية" الرافض لأي اجراءات تخص نقل السلطة بما في ذلك انشاء مجلس رئيسي دون الرجوع الى مجلس النواب. وفي تصريحه الأخير أكد الأمين العام المساعد للمؤتمر الشعبي العام ورئيس الكتلة البرلمانية النائب سلطان البركاني، أن" حزب المؤتمر لن يكون شريكاً في أي انقلاب على الدستور والمؤسسات الدستورية ولن يفرط بالوحدة تحت أي مبرر كان".
 
واعتبر البركاني، في حديث لقناة آزال الفضائية، أن "أي حديث خارج الدستور والمؤسسات الدستورية، ضرباً من العبث وخروجاً من دولة تحكم بالدستور والقوانين والذهاب نحو المجهول، وأنه وفي حالة إصرار أي طرف على تجاوز الدستور والمؤسسات الدستورية فليذهب بمفرده".
 
ومضى البركاني في التأكيد على تأييد حزبه للتوافق السياسي والشراكة الوطنية بين مختلف الأطراف، وأن موقفه حيال الأزمة الراهنة ينطلق من رؤيته بأن "الحل الدستوري هو الأصل وما عداه هو الكارثة".
 
وفيما يخص دور البرلمان حيال الأزمة أبدى رئيس الكتلة البرلمانية للمؤتمر الاستعداد الكامل للبرلمان للمصادقة على مقررات التوافق بين الأطراف السياسية في حال "عرضها عليه ووفق فقه الضرورة".
 
وبالوقوف عند حديث الرئيس المستقيل عبدربه منصور هادي خلال زيارته الى منزله من قيادات أحزاب الاشتراكي، الناصري، والعدالة والبناء، السبت الماضي الذي شدد على أن "أي توافق على حلول يجب ان تكون عبر المؤسسات الدستورية.. بما فيها خيار التوافق على مجلس رئاسة".
 
والى جانب المؤتمر وحلفائه يأتي حزب العدالة والبناء في موقفه المؤيد لحل الأزمة عبر البرلمان وهو الموقف الذي أكده أمين عام الحزب وعضو البرلمان عبد العزيز جباري في تصريح سابق لـ" مرصد البرلمان" حينما شدد على أنه "لا يمكن تجاوز مجلس النواب والدستور بأي حال من الأحوال وأن أي اتفاق بين الأطراف المتحاورة بشأن أزمة استقالة الرئيس وفي مقدمتها حزب العدالة والبناء لن يكون منطلقا الا من نصوص الدستور "وهو الأمر الذي يجب ان يدركه الجميع".
 
الاتجاه الثالث: القوى المتجهة نحو تشكيل مجلس رئاسي
ويمثل هذا الاتجاه جماعة أنصار الله ( الحوثيون) القادرة على فرض خياراتها بما تمتلكه من قوة وسلاح وبما تشكله من هيمنة كاملة على مؤسسات ومرافق الدولة الأمر الذي قد يغريها في المضي نحو فرض سياسية الأمر الواقع وأجبار الآخرين على القبول بهذا الخيار. وقريباً من هذا التوجه يتفق مع خيار إنشاء مجلس رئاسي بعيدا عن سلطة البرلمان جناح من التجمع اليمني للإصلاح ( الاخوان المسلمون) وهو الجناح الذي يقوده رئيس الحزب محمد اليدومي في وقت يعلن فيه قطاع كبير من قيادات وأفراد الحزب رفضه المطلق لهذا التوجه " المذعن".
 
وفي آخر وأبرز تطورات المشهد أمهل البيان الختامي للمؤتمر الموسع لجماعة الحوثي المنعقد بصنعاء القوى السياسية مدة ثلاثة أيام للخروج بحل يسد الفراغ القائم. معلنا تفويض اللجان الثورية وقيادة الثورة باتخاذ الإجراءات الفورية الكفيلة بترتيب أوضاع سلطات الدولة والمرحلة الانتقالية للخروج بالبلد من الوضع الراهن في حال عدم التوصل الى حل من قبل الأطراف المتحاورة بشأن الآزمة.
 
وبذلك ومن خلال هذه الاتجاهات واخذا ما رَشَح من مواقف دولية واقليمية تراوحت بين الصمت والقبول بالحوثي يتضح أن المشهد سيتمخض عن هيمنة للحوثيين في إدارة المشهد القادم بما يختزنه من تعقيدات وفرص للحل أو للصراع.