أخبار

البرلمان ودوره في حسم أزمة الاستقالة.. الاتجاهات السياسية والقانونية

الإثنين, 26 يناير, 2015


رسم يوضح التوزيعات المحتملة للاتجاهات البرلمانية نحو موضوع استقالة الرئيس

مرصد البرلمان ـ أنور التاج:
 
في الوقت الذي ما تزال الأنظار متجهة نحو مجلس النواب ودوره في حل أزمة الفراغ  السياسي القائمة في البلاد باعتبار البرلمان هو المؤسسة الدستورية الوحيدة التي لا زالت تتمتع بقدر من الشرعية - و إن كانت صورية في رأي البعض- وكونه المخول بالبت في استقالة رئيس الجمهورية تشهد مواقف الكتل والمكونات السياسية البرلمانية تباينا كبيراً حيال تلك الاستقالة تبعا للانتماء الحزبي والمناطقي لهذه الكتل (أي الانتماء إلى الأقاليم الستة المنصوص عليه في سودة ادستور و بالأخص التقسيم المناطقي الأكبر: شمال /جنوب)، كما تتسم بعض من تلك المواقف والتوجهات بالضابية وعدم الوضوح.
 
وعلى الرغم من أن مفتاح الحل لا يزال بيد البرلمان إلا أن الإعلان عن تأجيل جلسته الاستثنائية المخصصة للنظر في استقالة الرئيس هادي حرك عددا من التساؤلات المصحوبة بالمخاوف من السيناريوهات المحتملة بشأن موضوع الاستقالة ومآلات الأوضاع في حال عدم انعقاد البرلمان وممارسة صلاحياته الدستورية بموجب المادتين الدستورتين 116،115 اللتين تمنحانه حق البت في استقالة الرئيس قبولا أو رفضاً وفقا للإجرات المنصوص عليها في المادتين.
 
وبالنظر إلى المواقف المعلنة لعدد من قيادات حزب المؤتمر الشعبي العام ( حزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح ) يظهر بوضوح أن الحزب بأغلبيته المطلقة في البرلمان يتجه نحو قبول استقالة هادي والسير نحو إجراء انتخابات برلمانية خلال ستين يوما من تاريخ قبول الاستقالة يليها انتخابات رئاسية خلال ستين يوما من تاريخ اول اجتماع لمجلس النواب المنتخب. وهو ما يعني، عند بعض المراقبين، انفراط عقد التحالف بين المؤتمر والحوثيين وظهور أزمة حادة بين الطرفين. وإذا ما اخذنا بالاعتبار إعلان  كتلة الجنوب بأعضائها الـ 36 من أصل 50 عضوا جنوبيا مقاطعة الجلسة الطارئة المرتقبة للبرلمان ودعوة أعضاء الكتلة الى الانعقاد في عدن، فإن ذلك وإن كان يؤثر على قوام كتلة المؤتمر باعتبار أن هناك من نواب الجنوب من ينتمي إلى المؤتمر، لكنه لا يشكل تأثيرا كبيرا على أغلبيتها المطلقة التي لا تزال تتمتع بها والتي من خلالها تستطيع أن تصوت على الاستقالة أو ترفضها حتى في ظل مقاطعة نواب الجنوب الموالين للرئيس المستقيل هادي.          
 
من جانب آخر فإن انسداد آفاق المباحاث بين أحزاب اللقاء المشترك والحوثيين الرامية الى الخروج بصيغة مشتركة لحل الأزمة تتمثل بإقناع الرئيس هادي بالعدول عن الاستقالة والعودة الى السلطة بشروطه قد ألقى بظلاله على مجمل مواقف تلك الأحزاب. وهو الأمر الذي يشير  إلى احتمال عدم موافقة كتلها البرلمانية على استقالة هادي وتمسكها بما يوصف بالشرعية. وعلى الرغم من ذلك تستطيع كتلة المؤتمر حسم الموقف لصالحها بما تمتلكه من أغلبية مطلقة تتجاوز نصف تركبية البرلمان البالغة 301 عضوا.
 
 وتجدر الاشارة إلى الجدل الذي يثار في العديد من وسائل الاعلام حول شرعية البرلمان من عدمها؛ فهنالك من يرى أن البرلمان يعد فاقدا لشرعيته، ومن أهم الأصوات التي تبرز  بهذا الرأي صوت جماعة أنصار الله الحوثيين. وتلوم الجماعة من كان يصف البرلمان بعدم الشرع فيما هم الآن ( أي بعد 22 يناير يوم استقالة هادي) ينادون بشرعيته، كما في حديث بثته قناة اليمن لمحمد العماد المقرب من الجماعة. و يعزز موقف الجماعة غير المعلن رسميا حتى الآن فرض الجماعة حالة حصار على مجلس النواب. أما من يرى أن البرلمان شرعي ويستمد شرعيته من الاطار القانوني الاستثائي المتمثل في المبادرة الخليجية فيرون المجلس يتخذ قرارته وفقا لمبدأ التوافق لا الأغلبية حيث نصت المادة (8) من المبادرة على الآتي: "يكون اتخاذ القرارات في مجلس النواب خلال المرحلتين الأولى والثانية بالتوافق وفي حال تعذر التوصل إلى توافق حول أي موضوع يقوم رئيس مجلس النواب برفع الأمر إلى نائب الرئيس في المرحلة الأولى وإلى الرئيس في المرحلة الثانية الذي يفصل في الأمر ويكون ما يقرره ملزماً للطرفين".
وتنص المادة (9) على :"سيتخذ الطرفان الخطوات اللازمة لضمان اعتماد مجلس النواب للتشريعات والقوانين الأخرى اللازمة للتنفيذ الكامل للالتزامات المتعلقة بالضمانات المتعهد بها في مبادرة مجلس التعاون الخليجي وفي هذه الآلية".

 وهذا يعني أن كتلة المؤتمر لن تكون قادرة على تمرير القرار الذي تريده وأن أي قرار ستتخذه سيكون خاضعا لموافقة بقية كتل البرلمان.

وتختلف وجهات نظر العديد من السياسيين والقانونين حول حق البرلمان في النظر استقالة الرئيس والبت فيها، فمن ناحيته يرى مستشار الرئيس هادي والامين عام الحزب الاشتراكي سابقا الدكتور ياسين سعيد نعمان أن "العودة الى البرلمان لحسم موضوع استقالة الرئيس  يتعارض مع روح الاتفاقات الموقعة بين أطراف العملية السياسية التي اعتمدت التوافق في قيادة هذه المرحلة الانتقالية، وربما يؤدي إلى إشكالات إضافية في ظل الوضع السياسي المضطرب والحسابات الخاصة لمختلف القوى السياسية".ويعتقد ياسين أن المطلوب من القوى السياسية هو "إيجاد الآلية العملية للإشراف على تنفيذ هذا التوافق .

وقال ياسين، في مقال نشرته صحيفة الشارع في عددها الصادر الأحد 25يناير " وإذا كان هناك من دور لمجلس النواب اليوم فليكن دوره هو العمل على إصلاح الوضع المتأزم لما في المجلس من شخصيات وطنية وسياسية ووجاهات قادرة على النصح واحتواء الموقف".
 
لكن عضو الكتلة البرلمان لحزب الإصلاح النائب الجنوبي على عشال كان قد ذهب إلى خلاف ذلك داعيا  مجلس النواب إلى عقد الجلسة الاستثنائية الخاصة بالنظر في استقالة الرئيس عبدربه منصور هادي، خارج العاصمة صنعاء، نظراً للتطورات الأمنية داخلها.
 
ونقل موقع "المصدر أونلاين" عن النائب عشال، قوله، إنه لا شرعية لانعقاد البرلمان على أسنة الرماح في صنعاء بعد الانقلاب الذي حصل في العاصمة والحصار الذي تفرضه المليشيات على الرئيس والمؤسسات الحكومية من بينها مقر البرلمان.
 
وأشار عشال إلى إن المادة (5) من اللائحة الداخلية للمجلس تسمح للبرلمان بالانعقاد خارج مقره الرئيس في حالة الظروف القاهرة.
 
ومن حزب المؤتمر الشعبي العام يرى رئيس اللجنة الدستورية بالبرلمان النائب علي أبو حليقة أن النظر في استقالة الرئيس والبت فيها حق دستوري أصيل لمجلس النواب بموجب المادتين 116،115 وأن من يقول بغير ذلك فإنه مجاف للصواب.
 
وأضاف في تصريح لعدد من وسائل الإعلام :إن الظروف الحالية تحتم على البرلمان ممارسة حقه الدستوري في النظر في الاستقالة التي سيعقبها تولي رئاسة المجلس مهام رئيس الجمهورية لمدة ستين يوما ومن ثم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية".

وفي اعتقاد المحامي عبد الكريم سلام أن استقالة الرئيس هادي وضعت جميع الاطراف والمكونات السياسية ـ بما فيها الحراك الجنوبي المعارض للفيدرالية أو المؤيد لها- بمواجهة حقائق الواقع المعقدة والمريرة.

وقال سلام، في مقال منشور في صحفية الشارع الأحد 25 يانير، إن "الفيدرالية التي أيدها فريق في الحراك الجنوبي ستسقط بقبول استقالة هادي التي ستطيح بالتسوية السياسية برمتها بما فيها مخرجات الحوار الوطني لأن المقتضى الدستوري في المادة (116) تقضي بانتخاب رئيس جديد خلال ستين يوماً من قبول استقالة رئيس الجمهورية في الظروف الحالية التي يغلب عليه الانقسام الجنوبي الشمالي والرفض الشعبي للاستقالة في كثير من المحافظات الشمالية التي خرجت فيها مسيرات شعبية منددة بالحوثيين وداعمة للرئيس هادي ومطالبة بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني كما أنه من غير الممكن تعديل النص الدستوري ،لأن المادة (116) من الدستور الحالي من النصوص الجامدة في الدستور التي لا يتم تعديلها إلا بطرحها على الشعب للاستفتاء العام ولا يكون تعديلها نافذاً ،إلا بموافقة الأغلبية المطلقة لعدد من أدلوا بأصواتهم في الاستفتاء العام وفقاً للمادة (158) والاستفتاء الشعبي يتعذر تنظيمه في الظرفية الحالية وبالتالي سيجد رئيس مجلس النواب نفسه بعد مضي فترة ال(60) اليوم الدستورية في مواجهة مأزق عدم شرعيته".
 
 ومن هنا يتضح حجم الاشكالات القانونية والتباينات السياسية حول قضية الاستقالة، ولعلها ستكون أحد الأحداث الفارقة في تاريخ اليمن المعاصر. وذلك أن الوضع بعدها إما أن يؤول إلى حالة توافق واستمرار في  المسار السلمي المتحقق من خلال تطبيق اتفاقات المرحلة الانتقالية وفقا لمخرجات الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة بملحقه لأمني أو أن تسير الأوضاع نحو الصراع على السلطة وهو ما يعني انهيارا للعملية السياسية برمتها من ناحية واتجاه مسار الأحداث نحو الاستقطاب المناطقي والتمزق الجهوي وفقا للأقاليم المرسومة في مسودة الدستور أو وفقا للتمايز الجنوبي الشمالي.